فخر الدين الرازي
18
تفسير الرازي
وفيه وجوه الأول : أنه رؤوف بهم حيث حذرهم من نفسه ، وعرفهم كمال علمه وقدرته ، وأنه يمهل ولا يمهل ، ورغبهم في استيجاب رحمته ، وحذرهم من استحقاق غضبه ، قال الحسن : ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه الثاني : أنه رؤوف بالعباد حيث أمهلهم للتوبة والتدارك والتلافي الثالث : أنه لما قال : * ( ويحذركم الله نفسه ) * وهو للوعيد أتبعه بقوله * ( والله رؤوف بالعباد ) * وهو الموعد ليعلم العبد أن وعده ورحمته ، غالب على وعيده وسخطه والرابع : وهو أن لفظ العباد في القرآن مختص ، قال تعالى : * ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ) * ( الفرقان : 63 ) وقال تعالى : * ( عينا يشرب بها عباد الله ) * ( الإنسان : 6 ) فكان المعنى أنه لما ذكر وعيد الكفار والفساق ذكر وعد أهل الطاعة فقال : * ( والله رؤوف بالعباد ) * أي كما هو منتقم من الفساق ، فهو رؤوف بالمطيعين والمحسنين . قوله تعالى * ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاَتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ واَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * . اعلم أنه تعالى لما دعا القوم إلى الإيمان به ، والإيمان برسله على سبيل التهديد والوعيد ، دعاهم إلى ذلك من طريق آخر وهو أن اليهود كانوا يقولون * ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) * ( المائدة : 18 ) فنزلت هذه الآية ، ويروى أنه صلى الله عليه وسلم وقف على قريش وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام فقال : يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة إبراهيم ، فقالت قريش : إنما نعبد هذه حباً لله تعالى ليقربونا إلى الله زلفى ، فنزلت هذه الآية ، ويروى أن النصارى قالوا : إنما نعظم المسيح حباً لله ، فنزلت هذه الآية ، وبالجملة فكل واحد من فرق العقلاء يدعي أنه يحب الله ، ويطلب رضاه وطاعته فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم : قل إن كنتم صادقين في ادعاء محبة الله تعالى فكونوا منقادين لأوامره محترزين عن مخالفته ، وتقدير الكلام : أن من كان محباً لله تعالى لا بد وأن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه ، وإذا قامت الدلالة القاطعة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وجبت متابعته ، فإن لم تحصل هذه المتابعة دلّ ذلك على أن تلك المحبة ما حصلت . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أما الكلام المستقصى في المحبة ، فقد تقدم في تفسير قوله تعالى : * ( والذين